المنجي بوسنينة

78

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

- أنه خطب يوما فأعجبته نفسه ، فقال : حتّى متى أعظ ولا أتّعظ ، وأزجر ولا أزدجر ، أدل على الطريق المستدلّين ، وأبقى مقيما مع الحائرين ، كلا إن هذا لهو البلاء المبين . اللهم فرغّبني لما خلقتني له ، ولا تشغلني بما تكفّلت لي به . وذكره محمد بن الحارث القروي ، فقال : كان من أهل النفاذ والتحصيل ، متدربا للمناظرة ، متخلقا بالإنصاف ، جيّد الفهم ، طويل العلم ، بليغا موجزا ، يميل إلى طرق الفضائل ، ويوالي أهلها ، ويلهج بأخبار الصالحين . - أنه أمر في آخر مدة الناصر بالبروز إلى الاستسقاء بالناس ، فصام أياما وتأهّب ، واجتمع الخلق في مصلى الرّبض بقرطبة ، وصعد الناصر في أعلى قصره ليشاهد الجمع ، فأبطأ منذر ، ثم خرج راجلا متضرعا مخبتا متخشّعا ، وقام ليخطب ، فلما رأى الحال بكى ونشج وافتتح خطبته بأن قال : سلام عليكم ، ثم سكت ، ولم يكن من عادته ، فنظر الناس بعضهم إلى بعض لا يدرون ما عراه ، ثم اندفع ، فقال : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ . . . إلى قوله : رَحِيمٌ [ الأنعام : 54 ] ، استغفروا ربكم وتوبوا إليه ، وتقربوا بالأعمال الصالحة لديه ، فضجّ الناس بالبكاء ، وجأروا بالدعاء والتّضرّع ، وخطب فأبلغ ، فلم ينفضّ القوم حتّى نزل غيث عظيم . - أن الناصر أمير المؤمنين عمل في بعض سطوح الزهراء قبة بالذهب والفضة ، وجلس فيها ، ودخل الأعيان فجاء منذر بن سعيد ، فقال له الخليفة كما قال لمن قبله : هل رأيت أو سمعت أنّ أحدا من الخلفاء قبلي فعل مثل هذا ؟ فأقبلت دموع القاضي تتحدّر ، ثم قال : واللّه ما ظننت يا أمير المؤمنين أن الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ ، أن أنزلك منازل الكفار ، قال : لم ؟ فقال : قال اللّه عز وجل : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ إلى قوله : وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 33 - 35 ] ، فنكس الناصر رأسه طويلا ، ثم قال : جزاك اللّه عنا خيرا وعن المسلمين ، الذي قلت هو الحق ، وأمر بنقض سقف القبة . - أنه استغرق مرة في خطبته بجامع الزهراء فأدخل فيها أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [ الشعراء : 128 - 130 ] ، فتخيّر الناصر لخطابة الزهراء أحمد بن مطرّف ( صاحب الصلاة بقرطبة ) إذا حضر الناصر . ومن أقواله تجاه الأمراء والملوك : إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء . وكان منذر شديد الصلابة في أحكامه ، والمهابة في أقضيته ، وقوة الحكومة ، والقيام بالحق في جميع ما يجري على يده ، لا يهاب في ذلك الأمير الأعظم فمن دونه [ الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، 12 / 300 - 303 ؛ المقري ، نفح الطيب ، 1 / 570 - 574 ] . ومن شعره في حقيقة الموت وحتميتها : الموت حوض وكلنا نرد * لم ينج ممّا يخافه أحد فلا تكن مغرما برزق غد * فلست تدري بما يجيء غد وخذ من الدهر ما أتاك به * ويسلم الروح منك والجسد